في المول، الضوء الساطع يلتهم أي بقعة مظلمة، في الوقت نفسه تُغلقُ السماء بإحكام، والمطلوب منك أن تنسى النهار والليل وأن تواصل التعرّض لكل شيء، تريده ولاتريده، تحتاجه بشدّة ولم تفكّر فيه لو لمرّة!
كل لقطة مصمّمة بعناية لتُشعرك بالعجز، ملابسك التي تحبّها تبهت أمام الواجهات الزجاجية الفخمة، وساعتك التي لم تخطئ مرة في الوقت ستبدو مملّة كزوجة، وتريدُ استبدالها بساعة تحسب الضغط الجوي والذي قد تحتاج إلى معرفته مرة واحدة في حياتك، حين تغرق أكثر مع نفسك.
المسارُ مصمّم بعناية أيضاً: للدهشة، والاشتهاء، والتذوّق، والفضول والتمنّي والمرح، كل شيء يريد لفت انتباهك، وتذكيرك بيديك الفارغتين.
كم تريد أن تنفق اليوم؟
مهما كان جوابك الحقيقي، ستراه تافهاً وقليلاً، ستدرك أنك عدو بغيض للمال، وعقبة صغيرة في طريق الدورة الاقتصادية، تُجري أول عملية شراء فتُفرح صندوقاً أو حساباً ما، يُدهشك الموظف بعرض سخي على قطعة أخرى، وربما يهديك قسيمة خصم ليضمن عودتك، ويُشعرك بالذنب إن لم تعد، ويُضخّم غرورك لأنك حصلت على المزيد مقابل أقل، حتى لو لم تكن تحتاج إلى شيء أصلاً
لماذا نشتري كلّ هذا؟ هل صارت حياتنا أسهل فعلاً؟ هل صار وقت دوامنا أقل؟ هل كان أهالينا. يعملون لساعات متأخرة ويظهرُ لهم المدراء عبر التطبيقات الذكيّة؟ هل كان لديهم كل هذه السيارات ليختصروا الطريق؟ وهل كانوا يحتاجون لاستراحة غداء؟ ألم يكن ينتهي دوامهم كاملاً قبل بداية هذه الاستراحات المصطنعة؟
في المول، تُغلق المتاجر في ساعات محددة، لا لكي ترتاح جيوبك بل لأن هناك صفقات ينبغي عدّها، وبضائع ينبغي تنزيلها، وواجهات ينبغي إعادة ترتيبها، كل شيء يحتاج إلى استراحة، إلا رغبتك في المزيد.
لقد فهموا جيداً أن مّرتّبك يشارف على النهاية في بعض الأيام، فمنحوك وسائل جديدة لتشتري وتدفع لاحقاً، تقضي عمرك تلاحق ذلك الـ لاحقاً، حتى تبتعد عنه كثيراً ويصير لهاثك مسموعاً.
ابتكروا عطوراً جذّابة لتدخل المتاجر، وبرامج ولاء لتعود إليها، وأكياساً ورقية نكدّسها تحت الأسرّة ولا نستخدمها أبداً، لقد صرنا أمهاتنا.
لمن نجمع أكياس الورق؟
ماذا سنفعل بألف إشعار يومياً؟ أين سنمشي بكل هذه الأحذية؟ وإذا كان الوقت قد بيع سلفاً، والعمر محجوزاً عليه بالأقساط والالتزامات، فمتى سنجد الوقت لنستمتع بكل ما اشتريناه؟
في ردهة الطعام في المول، يجلس الناس وحيدين، يشاهدون مقاطع الفيديو القصيرة، في محاولة لتجاوز الطعام السيء ونسيان طعام الزوجة أو الأم في الحياة الماضية حين كانوا مع عائلهم، وبعضهم الآخر يحدّق في شاشة الحاسبة يجمع ويطرح مصاريف لا يملك القدرة على تدبيرها، والقسمة في النهاية، دائماً على حساب العائلة، وابتسامات الأطفال، وعيون الحبيبة.
في المول، يبيع الموظفون أعمارهم يوماً بعد يوم، يحاولون إقناعك بشراء ما لا يستطيعون شراءه بأنفسهم، يكذبون بصدق، من أعماقهم، لأنهم مطالبون بتحقيق الهدف اليومي والأسبوعي والشهري، لولا الـTarget، لما استطاعوا الاستمرار في خدمة رأس المال، والإسهام في تضخّمه وشراهته.
إنهم عاجزون عن التوقف، خلف ابتساماتهم بطاقات مصرفية قد تُرفض، وشيكات قد ترتدّ، وأغلال وقضايا ومخالفات تتكاثر حولهم، كأنهم بقرة لا يُسمح لها بالتوقف عن إدرار الحليب، فيما تتحوّل الحياة من حولها إلى مجموعة من السكاكين الغليظة.
في المول، تُقاس الحياة بالأرقام: كم شخصاً انتبه، التفت، شاهد؟ كم شخصاً سأل؟ كم شخصاً اشترى؟
أي تناقص في هذه النسب يستوجب خطة بديلة يقرّها رأس المال بأغلبية بسيطة.
والرؤوس تُشبه بعضها، حرّروا مزيداً من العينات المجانية، اصرفوا مزيداً من نقاط الولاء، ضعوا إعلاناً في غرفة النوم، بين وسادتين، افتعلوا شجاراً بين الرجل وزوجته، دعوا الأطفال يصرخون في وجوه أمهاتهم، ضعوا اعلاناً وسط مسلسل عائلي، وفي داخل نشرة الأخبار ولاتنسو الأفلام بكلّ أنواعها، اتركوا عائلة صغيرة تتفتّت تحت ضغط ما ينقصها، ثم بيعوا أفرادها كل على حدة، شيئاً يريحهم من بعضهم بعضاً.
المهم أن تفرغ المتاجر، وتتحرّك المستودعات، ويستمر رأس المال في الدوران والتضخم ككرة ثلج لاتتوقف عن الجشع ولا عن التدحرج، وإن تدحرجت رؤوس الأموال يوماً وتتساقطت، فهي لن تبتعد كثيراً، سيلحق بها الناس لإنقاذها.
لقد اعتادوا ذلك، دوماً
وسيم السخلة
109/10/2026
Leave a Reply